عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
84
اللباب في علوم الكتاب
قوله : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ . قال بعضهم : « ذلكم » مفرد واقع موقع « ذانكم » المثنّى ؛ لأنه قد تقدّم اثنان : التوبة ، والقتل . قال أبو البقاء : « وهذا ليس بشيء ؛ لأن قوله : « فاقتلوا » تفسير للتوبة فهو واحد » . و « خير » « أفعل » تفضيل ، وأصله : أخير ، وإنما حذفت همزته تخفيفا ، ولا ترجع هذه الهمزة إلا في ضرورة ؛ قال : [ الرجز ] 504 - بلال خير النّاس وابن الأخير « 1 » ومثله : « شرّ » لا يجوز « أشرّ » إلا في ندور ، وقد قرىء « 2 » : مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [ القمر : 26 ] وإذا بني من هذه المادة فعل تعجّب على « أفعل » ، فلا تحذف همزته إلا في ندور ، كقولهم : « ما خير اللبن للصحيح ، وما شرّه للمبطون » ف « خير وشرّ » قد خرجا عن نظائرهما في باب التّفضيل والتعجّب . و « خير » أيضا مخفف من « خير » على « فيعل » ولا يكون من هذا الباب ، ومنه : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [ الرحمن : 70 ] . قال بعضهم : مخفف من « خيّرات » . والمفضّل عليه محذوف للعلم به ، أي : خير لكم من عدم التوبة . ول « أفعل » التفضيل أحكام كثيرة ، وباقي منها ما يضطر إليه . قوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ في الكلام حذف ، وهو : ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم ، والفاء الأولى في قوله : « فَتُوبُوا » للسببية ؛ لأن الظلم سبب التوبة . والثانية للتعقيب ؛ لأن المعنى : فاعزموا على التّوبة ، فاقتلوا أنفسكم . والثّالثة متعلقة بمحذوف ولا يخلو : إما أن ينتظم في قول موسى لهم فيتعلّق بشرط محذوف ، كأنه قال : وإن فعلتم فقد تاب عليكم ، وإما أن يكون خطابا من اللّه لهم على طريقة الالتفات ، فيكون التقدير : ففعلتم ما أمركم به موسى ، فتاب عليكم بارئكم . قاله الزمخشري . وقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ ، أي : فتجاوز عن الباقين منكم . إنه هو التواب الرحيم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) قوله : لَنْ نُؤْمِنَ إنما تعّدى ب « اللام » دون « الباء » لأحد وجهين :
--> ( 1 ) ينظر المحتسب : 2 / 299 ، شرح التصريح : 2 / 101 ، الهمع : 2 / 166 ، شرح الأشموني : 3 / 43 ، الدرر : 2 / 224 ، البحر : 1 / 363 ، الدرّ : 1 / 228 . ( 2 ) ستأتي في « القمر » آية ( 26 ) .